المفارقـات المحيّرة
يونيو 2002
من
الواضح للعيان ان مجريات الأحداث في الزمن الراهن تظهر على
صعيد
رسمي وشعبي البون الشاسع بين العالم العربي من محيطه إلى خليجه
وبين بقية أرجاء الكرة الأرضية رسمياً وشعبياً. ففي حين تخلصت
كافة أقطار العالم من نير الاستعمار المباشر نجد اليوم ان هذا
الاستعمار قد عاد إلى العالم العربي باحتلال عسكري مباشر مرجب به
في أكثر من قطر عربي ناهيك بالتبعيات لاستعمار سياسي واقتصادي
غير مباشر. ولئن كان الاستبداد والفساد والمحسوبية وبذخ العروش
على انتشار واسع في أقطار ما يسمى بالعالم الثالث فان هذه
المثالب والموبقات تتفوق فيها غالبية الأنظمة العربية على بقية
تلك الأقطار. وفي حين من وقت لآخر تنتفض شعوب في دنيا الله
الواسعة على أنظمتها الاستبدادية العميلة نجد الشعوب العربية في
سكون عدمي يتيح المجال لأنظمتها لتمعن في الاستبداد والعمالة
وحتى الخيانة بالتخلي والتنازل عن الأرض والقومية والهوية
الوطنية والكرامة لتصل الوقاحة بوصم النضال ضد الإحتلال بالإرهاب
تماشياً مع الوصم الصهيوني والإمبريالي.
وفي القارة السوداء بجنوب أفريقيا
وفي زيمبابوي قضى الأفارقة على النظام العنصري من العرق الأبيض
الأوروبي الاستيطاني، بينما في العالم العربي تلهث الأنظمة فيه
لشرعنة الاغتصاب الصهيوني الاستيطاني للأرض الفلسطينية العربية
باعترافات رسمية تطبيعية على كافة المستويات وسط صمت الشارع
العربي المطبق.. وفي أقطار أخرى من العالم الثالث تمكن الشارع
المنتفض من زلزلة عروش وفرض إرادته كما حدث في إيران والفليبين
وإندونيسيا وتشيلي وفنزويلا، فلماذا لم يفعل الشارع العربي ما
فعله الشارع في تلك الأقطار، مرتضياً باستبداد أنظمته وفسادها
وخيانتها لقضاياه القومية وانجرارها إلى أبشع أشكال التبعية.
وأدهى الدواهي إندفاع الأنظمة العربية المتصاعد في القهر
والإفقار والعمالة فيما الشارع العربي في غفوة أبدية. أتراه ألف
المذلة والهوان ولم يعد يعرف معنى للعزة والكرامة والقومية، أولم
يكن اجتياح شارون لزهرة العواصم العربية بيروت، واقترافه مجزرة
صبرا وشاتيلا كافياً لمحاسبة الشارع العربي لأنظمته التي وقفت
موقف المتفرج وكأن الأمر لا يعنيها من بعيد أو قريب، أولم يكن
الاجتياح والمجزرة كافيين لشطب القاهرة لإتفاقية كامب ديفيد؟ انه
لمن المؤكد ان ذلك لم يحصل لأن الشارع المصري خاصة والعربي عامة
لم يتحرك للمواجهة التي تقتضي التضحيات الجسام. ومادامت الأنظمة
العربية في تخاذلها وانهزاميتها متمسكة باستراتيجية خيار السلام
الأوحد وفي حالة من التشرذم والهزال فإن إسرائيل ستزداد غطرسةً
وتدميراً وتقتيلاً واستفراداً بكل نظام عربي على حدة، وستلقى
دعماً خارجياً من الإدارة اليمينية الأميركية الجديدة الحالية.
أمام أبصار وبصائر العرب أنظمةً
وشعوباً مشهدان في منتهى الخطورة على المستقبل العربي وحتى على
الوجود العربي: المشهد الأول يتمثل في تصفية القضية الفلسطينية
التي من بوادرها تقليص سلطة ياسر عرفات وتفويض السلطة الفعلية
لمحمود عباس وهو مطلب إسرائيلي- أميركي لتعهد محمود عباس
بالإجهاز على المقاومة وإطفاء جذوة الانتفاضة وقبوله بشطب حق
اللاجئين الفلسطينيين بالعودة، وقد سبق له باتفاقية أوسلو التي
كان مهندسها التمكن من الإجهاز على الانتفاضة الفلسطينية الكبرى