Journalists & Authors   أدباء وصحفيون    

يوسف أيوب حداد  Yousef Ayoub Haddad

Ayoub.JPG (66753 bytes)

1- ماذا بقي للتفاوض عليه؟
2- المفارقات المحيرة
3- الخيانة العظمى

4- الخلط المعتمد بين الإرهاب والنضال

 

---------------------------------------------------------------------- يوسف أيوب حداد

                       ماذا بقي للتفاوض عليه؟

                                                                       سبتمبر 2002
 

كانت فلسطين من النهر إلى البحر حتى وقت قريب في المنظور العربي رسمياً وشعبياً أرضاً عربية صرفة، وكانت القضية الفلسطينية القضية المحورية المركزية القومية، ذلك ما إلتزمت به الأنظمة العربية القائمة عقب نهاية الحرب العالمية الثانية مع أنها كانت أنظمة حديثة الاستقلال الشكلي، وكانت في الواقع مرتبطة مع بريطانيا بمعاهدات عدا عن وجود قواعد عسكرية بريطانية في أراضي تلك الدول. ومع ذلك فأنها تمسكت بعروبة فلسطين وبرفض قاطع للمشروع الصهيوني ومن بعد بالكيان الصهيوني رغم الضغوطات الغربية القوية التي كان من أبرزها ممارسات الرئيس الأميركي الأسبق (هاري ترومان) لتمرير مشروع تقسيم فلسطين إلى دولتين: عربية ويهودية في الجمعية العامة للأمم المتحدة. ومع أن هذه الضغوطات أثمرت في استصدار قرار التقسيم بتاريخ 29 نوفمبر 1947 إلا أن دول الجامعة العربية رفضته ولم تعترف به.. ومن المؤسف والمخزي أن الدول العربية المستقلة والتي تضاعف عددها ولم تعد على أراضيها قواعد عسكرية أجنبية كما كان في الماضي، ولم تعد بينها وبين بريطانيا معاهدات أخذت تجنح في التنكر لعروبة فلسطين، ولاعتبار القضية الفلسطينية قضية هامشية ثانوية محلية الاهتمام بالقضايا القطرية الضيقة على حساب القضية القومية المحورية قضية فلسطين، ومعلية مصلحة النظام على مصلحة الأمة.
 

  ومما لا شك فيه أن صفقة أنور السادات باتفاقية كامب ديفيد كانت الخطوة الانحدارية العربية الرسمية بشرعنة الاغتصاب الصهيوني للأرض الفلسطينية العربية التي مهدت الطريق لخطوات عربية رسمية، والتي أدت إلى تصدع العالم العربي وإلى وأد مقررات جامعة الدول العربية، ومن بينها عدم الاعتراف بالكيان الصهيوني، ومن بينها معاهدة الدفاع العربي المشترك التي تم دفنها في غزوة شارون لبيروت عام 1982 والتي وقفت إزاءها الدول العربية موقف المتفرج، والتي أبقت فيها القاهرة علاقاتها الدبلوماسية مع الكيان الصهيوني متمسكة باتفاقية كامب ديفيد متجاهلة لمعاهدة الدفاع العربي المشترك. وفي خطوة ساداتية عربية رسمية تراجعية كان مؤتمر مدريد عام 1991 الذي شرعن عربياً رسمياً الاغتصاب الصهيوني لفلسطين بطمس عروبتها والذي هدف إلى الالتفاف على الانتفاضة الفلسطينية الأولى، والذي شق الطريق لاتفاقية أوسلو عام 1993 والتي أنيط بها وأد تلك الاتفاقية، وهذا ما تحقق بالفعل. واتفاقية أوسلو الباطلة شرعاً، وعلى الرغم من كثرة معايبها ولعناتها، مهدت بدورها الطريق للأنظمة العربية المتخاذلة والمتلهفة لركوب القطار الساداتي، وكان أول الأنظمة العربية التي امتطت هذا القطار النظام الأردني بإبرامه مع الكيان الصهيوني معاهدة وادي عربة عام 1994، وبذلك بدأ تسارع الأنظمة العربية في اتخاذ خطوات تطبيعية مع كيان الاغتصاب الصهيوني.

   وكما كان متوقعاً، قياساً بالسوابق المتعددة، لم تلتزم إسرائيل باتفاقية أوسلو ولا بالاتفاقيات اللاحقة، ومن قبل بمعادلة مدريد، فقد ضاعفت من إنشاء المستعمرات وتوسيع المستعمرات القائمة ولم تلتزم بذلك في تنفيذ توصيات ميتشل، الأمر الذي أدت تراكمات الممارسات الصهيونية إلى تفجر الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي عجزت عن إخمادها رغم التخاذل العربي الرسمي في دعمها وفق مقررات قمم الجامعة العربية، وبدل الدعم مارست أنظمة عربية بشكل مباشر وغير مباشر إجهاض تلك الانتفاضة متعامية عن وحشية القمع الشاروني المتعدد الأشكال والأنواع. وفي سياق الانحدار العربي المستمر في تقديم التنازلات عن الأرض والدم والكرامة والقومية تقدم ولي العهد السعودي، الأمير عبد الله، بمبادرته التطبيعية مع الكيان الصهيوني ولم يكن مستغرباً ان لا يكتفي شارون بطرحها في سلة المهملات رغم تبني قمة بيروت لتلك المبادرة، بل عمد إلى مضاعفة ممارساته القمعية الوحشية مع الاستمرار في التوسع الاستيطاني. ومع ذلك عجز عن إخماد لهيب الانتفاضة وعن تأمين الأمن للمجتمع الصهيوني حسب وعوده المتكررة فكان لا بد من إنقاذه من المأزق الذي وجد نفسه فيه والمتمثل بالتدهور الاقتصادي والامني على حد سواء .

 وللخروج من مأزقه جرى فرض محمود عباس رئيساً لوزارة السلطة الفلسطينية بسلطة واسعة على اعتبار أنه أكثر استعداداً من ياسر عرفات في تقديم التنازلات فسوابقه بذلك معلومة في صفقة أوسلو، وفي وصفه المقاومة بالإرهاب لاحقاً في مؤتمري شرم الشيخ والعقبة. ومن نافل القول مكرراً ان اتفاقية أوسلو أجهضت الانتفاضة الأولى التي كان مهندسها، وأن المراد أميركياً وإسرائيلياً من تنصيبه رئيساً للوزراء الإسهام في إجهاض الانتفاضة الثانية في الالتفاف عليها بالموافقة، دون تحفظ، على مشروع ((خارطة الطريق)) الذي طرحه الرئيس بوش بتاريخ 24 حزيران 2002، والذي لقي ترحيباً من الاتحاد الأوروبي ومن روسيا وهيئة الأمم المتحدة، وشارون وحده سجل على هذا المشروع أربعة عشر تحفظاً، ما لبثت إدارة الرئيس بوش أن أبدت تفهماً لهذه التحفظات .

وهذا المشروع يهدف إلى تسوية نهائية شاملة بحلول عام 2005 بعد توقف أعمال العنف والإرهاب على قاعدة إقامة دولة فلسطينية بالضفة والقطاع إلى جانب الدولة العبرية يتعايشان بسلام على أن يتم تنفيذه عبر ثلاث مراحل.. وفي المرحلة الأولى يتوجب على القيادة الفلسطينية إصدار بيان بحق إسرائيل في العيش بسلام، والتوقف عن أعمال العنف والتحريض عليه، وعلى إسرائيل أن تعترف بدولة فلسطينية وأن تتوقف عن العنف والتحريض عليه. ومن الملاحظ أن النص طالب السلطة الفلسطينية بوقف فوري للعنف غير مشروط فيما تضمن تحفظ شارون على عدم فرض قيود على نشاط الجيش الإسرائيلي في مكافحة ((الإرهاب)) والقيام بضربات استباقية. وتقضي المرحلة الأولى وجوب قيام السلطة الفلسطينية بتفكيك بنى المنظمات الفلسطينية وتجريدها من السلاح وإبقاء الاحتلال الإسرائيلي حتى يتحقق هذا الأمر.. وتتضمن المرحلة الثانية إنشاء دولة فلسطينية بحدود مؤقتة عام 2003 علماً بأنه لا في القانون الدولي ولا في التاريخ والجغرافيا قيام دول بحدود مؤقتة. وتهدف هذه المرحلة إلى تعاون أمني متبادل وتطبيع العلاقات وبناء مؤسسات الدولة الفلسطينية، واستعادت الدول العربية روابطها بإسرائيل.

   وفي المرحلة الثالثة يجري التفاوض حول الحدود للدولة الفلسطينية وحول مصير المستعمرات والقدس واللاجئين. ومن المؤكد أن المجتمع الإسرائيلي بكل تياراته يتمسك بثوابت استراتيجية لا تراجع عنها تتمثل في الرفض القاطع للتخلي عن القدس الموحدة، وفي الرفض القاطع لعودة اللاجئين ولإزالة المستعمرات والانسحاب إلى حدود ما قبل حزيران 1967. ومجمل هذه الأمور الجوهرية وسواها خلا من الإشارة إليها مشروع (خارطة الطريق) على ان يجري التفاوض بشأنها بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني ولا ندري ولا المنجم يدري كيف كان محمود عباس سيتمكن من إرغام إسرائيل على التخلي عن ثوابتها الاستراتيجية حتى لو لم يستقيل.. ويبقى السؤال الملح اللجوج أين هي المساحة الأرضية الجغرافية التي يزمع أن يقيم عليها دولته العظمى التي افصح شارون إلى عدم الاعتراف بها إلا إذا تخلت السلطة الفلسطينية عن القرار الدولي 194 لعام 1948 المتعلق بحق اللاجئين في العودة.

محمود عباس كان يعلم علم اليقين عن وجود 154 مستعمرة صهيونية في الضفة و17 مستعمرة في قطاع غزة بالإضافة إلى 105 من البؤر الاستيطانية، ويعلم أيضاً المساحات الواسعة التي أقامت عليها إسرائيل الطرق الالتفافية لتحويل المجتمع الفلسطيني إلى معازل مقطعة الأوصال والاتصال فيما بينها. كما كان يعلم قبل سواه ان مشروع تقسيم فلسطين لعام 1947 أعطى الدولة الفلسطينية 47% من مساحة فلسطين الجغرافية، وأن اتفاقية أوسلو أعطت الفلسطينيين 22% من مساحة فلسطين الجغرافية، وأن اقتراح الرئيس كلينتون في كامب ديفيد عام 2000 أعطى الفلسطينيين 80 بالمائة من الـ 22% ، وأن العرض الذي طرحه شارون لدولة مؤقتة بلا سيادة تقوم على 42% من 80 بالمائة من 22% من 100% من مساحة فلسطين الجغرافية.

 وفيما تتلهى أنظمة التطبيع العربية وعلى رأسها السلطة الفلسطينية بأحلام مشروع خارطة الطريق، تمضي حكومة شارون في إقامة الجدار الأمني بالضفة الغربية وليس على الخط الأخضر الذي يفصلها عن حدود إسرائيل لعام 1967 بطول ألف كيلو متر مع ان الخط الأخضر يقتصر على 360 كيلو متراً، وفي ذلك ابتلاع مساحات آلاف الكيلو مترات من تلك الضفة لتكوين واقع جديد بحدود سياسية من طرف واحد كأمر واقع بحيث تتحول الضفة إلى سجن لمليوني فلسطيني، وقطاع غزة إلى سجن لمليون فلسطيني. وقد تمت المرحلة الأولى من تشييد ذلك الجدار بطول 148 كيلومتراً وبارتفاع ثمانية أمتار، ونجم عن ذلك فصل 67 مجمعاً سكنياً فلسطينياً عن أراضيهم و15 قرية كذلك. وعند اكتمال تشييد الجدار سيتم ابتلاع 96.500 دونم من أراضى الضفة، كما أن التواءات الجدار وجدار الطوق الداخلي سيحجزان وراءهما 65.500 دونم، وسيضيع 11.400 دونم عبر عملية بناء الجدار من خلال العوائق المقامة والخنادق. كما وقد جرى اقتلاع 83 ألف شجرة وتخريب 35 ألف متر من أنابيب الري وتدمير 11.400 دونم زراعي، وضم 31 بئر ماء ارتوازي.. أما الهدف غير المعلن من وراء ذلك فهو التضييق الاقتصادي لدفع الفلسطينيين إلى الرحيل، ومن جهة ثانية إلى تحقيق فصل عنصري على شاكلة نظام (الابارتيد) البائد في جنوب أفريقيا.

كل ذلك يجري على الأرض كأمر واقع فيما الأنظمة العربية الانبطاحية وعلى رأسها السلطة الفلسطينية تتوسل تنفيذ مؤامرة (خريطة الطريق) والسؤال الواجب طرحه، ما هي المساحة الجغرافية المتبقية من الأرض الفلسطينية لتقام عليها الدولة الفلسطينية المزعومة، وماذا بقي من أرض فلسطين للتفاوض عليها مستقبلاً، وهل إقامة دولة فلسطينية على رقعة ضيقة  قابلة للحياة على مساحة مقطعة الأوصال بالمستعمرات والطرق الالتفافية والجدار الأمني؟ أنها بالواقع لن تكون أكثر من محمية إسرائيلية تضاف إلى المحميات العربية الاثنين والعشرين، ومادام الحال على هذا المنوال في تنازلات الأنظمة العربية وفي سكون الشارع العربي فليس من المستبعد إضافة محمية جديدة إلى المحميات القائمة.  

وآخر المستجدات، فرض وقائع على الأرض، مشروع إسرائيل في هدم تسعمائة منزل لتشييد جدار أمني على الحدود مع مصر عبر مدينة رفح وسط صمت عربي رسمي ولقاءات ودية بين مسؤولين إسرائيليين ومسؤولين فلسطينيين .. وبالجدران الأمنية الثلاثة يكتمل بناء السجن لثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة والقطاع، تتولى السلطة وظيفة السجان العبد لسيده الإسرائيلي. ويصبح هذا السجن محاطاً بينه وبين مصر بجدار أمني، وبينه وبين إسرائيل بسياج ثان، وبين المملكة الأردنية بسياج أمني ثالث. فأية دولة هي هذه الدولة الفلسطينية التي أصبحت المطمح العربي الأسمى الاستراتيجي الذي يتوسل تطبيقه القادة العرب المنكوبة بهم شعوبهم من شارون ومن الرئيس الأميركي؟

التواءات الجدار وجدار الطوق الداخلي سيحجزان وراءهما 65.500 دونم، وسيضيع 11.400 دونم عبر عملية بناء الجدار من خلال العوائق المقامة والخنادق. كما وقد جرى اقتلاع 83 ألف شجرة وتخريب 35 ألف متر من أنابيب الري وتدمير 11.400 دونم زراعي، وضم 31 بئر ماء ارتوازي.. أما الهدف غير المعلن من وراء ذلك فهو التضييق الاقتصادي لدفع الفلسطينيين إلى الرحيل، ومن جهة ثانية إلى تحقيق فصل عنصري على شاكلة نظام (الابارتيد) البائد في جنوب أفريقيا.

كل ذلك يجري على الأرض كأمر واقع فيما الأنظمة العربية الانبطاحية وعلى رأسها السلطة الفلسطينية تتوسل تنفيذ مؤامرة ((خريطة الطريق)) والسؤال الواجب طرحه، ما هي المساحة الجغرافية المتبقية من الأرض الفلسطينية لتقام عليها الدولة الفلسطينية المزعومة، وماذا بقي من أرض فلسطين للتفاوض عليها مستقبلاً، وهل إقامة دولة فلسطينية على رقعة ضيقة قابلة للحياة على مساحة مقطعة الأوصال بالمستعمرات والطرق الالتفافية والجدار الأمني؟ أنها بالواقع لن تكون أكثر من محمية إسرائيلية تضاف إلى المحميات العربية الاثنين والعشرين، ومادام الحال على هذا المنوال في تنازلات الأنظمة العربية وسكون الشارع العربي فليس من المستبعد إضافة محمية جديدة إلى المحميات القائمة.
                                                                        يوسف أيوب حداد    
                                                                     
Yousef Ayoub Haddad


                  المفارقـات المحيّرة       

                                                                         يونيو 2002

 من الواضح للعيان ان مجريات الأحداث في الزمن الراهن تظهر على صعيد رسمي وشعبي البون الشاسع بين العالم العربي من محيطه إلى خليجه وبين بقية أرجاء الكرة الأرضية رسمياً وشعبياً. ففي حين تخلصت كافة أقطار العالم من نير الاستعمار المباشر نجد اليوم ان هذا الاستعمار قد عاد إلى العالم العربي باحتلال عسكري مباشر مرجب به في أكثر من قطر عربي ناهيك بالتبعيات لاستعمار سياسي واقتصادي غير مباشر. ولئن كان الاستبداد والفساد والمحسوبية وبذخ العروش على انتشار واسع في أقطار ما يسمى بالعالم الثالث فان هذه المثالب والموبقات تتفوق فيها غالبية الأنظمة العربية على بقية تلك الأقطار. وفي حين من وقت لآخر تنتفض شعوب في دنيا الله الواسعة على أنظمتها الاستبدادية العميلة نجد الشعوب العربية في سكون عدمي يتيح المجال لأنظمتها لتمعن في الاستبداد والعمالة وحتى الخيانة بالتخلي والتنازل عن الأرض والقومية والهوية الوطنية والكرامة لتصل الوقاحة بوصم النضال ضد الإحتلال بالإرهاب تماشياً مع الوصم الصهيوني والإمبريالي.

    وفي القارة السوداء بجنوب أفريقيا وفي زيمبابوي قضى الأفارقة على النظام العنصري من العرق الأبيض الأوروبي الاستيطاني، بينما في العالم العربي تلهث الأنظمة فيه لشرعنة الاغتصاب الصهيوني الاستيطاني للأرض الفلسطينية العربية باعترافات رسمية تطبيعية على كافة المستويات وسط صمت الشارع العربي المطبق.. وفي أقطار أخرى من العالم الثالث تمكن الشارع المنتفض من زلزلة عروش وفرض إرادته كما حدث في إيران والفليبين وإندونيسيا وتشيلي وفنزويلا، فلماذا لم يفعل الشارع العربي ما فعله الشارع في تلك الأقطار، مرتضياً باستبداد أنظمته وفسادها وخيانتها لقضاياه القومية وانجرارها إلى أبشع أشكال التبعية. وأدهى الدواهي إندفاع الأنظمة العربية المتصاعد في القهر والإفقار والعمالة فيما الشارع العربي في غفوة أبدية. أتراه ألف المذلة والهوان ولم يعد يعرف معنى للعزة والكرامة والقومية، أولم يكن اجتياح شارون لزهرة العواصم العربية بيروت، واقترافه مجزرة صبرا وشاتيلا كافياً لمحاسبة الشارع العربي لأنظمته التي وقفت موقف المتفرج وكأن الأمر لا يعنيها من بعيد أو قريب، أولم يكن الاجتياح والمجزرة كافيين لشطب القاهرة لإتفاقية كامب ديفيد؟ انه لمن المؤكد ان ذلك لم يحصل لأن الشارع المصري خاصة والعربي عامة لم يتحرك للمواجهة التي تقتضي التضحيات الجسام. ومادامت الأنظمة العربية في تخاذلها وانهزاميتها متمسكة باستراتيجية خيار السلام الأوحد وفي حالة من التشرذم والهزال فإن إسرائيل ستزداد غطرسةً وتدميراً وتقتيلاً واستفراداً بكل نظام عربي على حدة، وستلقى دعماً خارجياً من الإدارة اليمينية الأميركية الجديدة الحالية.

   أمام أبصار وبصائر العرب أنظمةً وشعوباً مشهدان في منتهى الخطورة على المستقبل العربي وحتى على الوجود العربي: المشهد الأول يتمثل في تصفية القضية الفلسطينية التي من بوادرها تقليص سلطة ياسر عرفات وتفويض السلطة الفعلية لمحمود عباس وهو مطلب إسرائيلي- أميركي لتعهد محمود عباس بالإجهاز على المقاومة وإطفاء جذوة الانتفاضة وقبوله بشطب حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة، وقد سبق له باتفاقية أوسلو التي كان مهندسها التمكن من الإجهاز على الانتفاضة الفلسطينية الكبرى