|
يتباين حجم الخيانات -على قباحتها-
التي يقترفها أفراد قادة مقابل منصب صوري ولو اقتضى الأمر
الوصول إليه على دبابة مستعمر أجنبي،
أو كان
هذا
الوصول
بضغوطات دبلوماسية ليتحقق من ذلك خدمة المصالح الإمبريالية
على حساب المصالح الوطنية والقومية. وأكثر ما تبدو حقيقة ذلك
في الواقع العربي التعيس المعاصر الذي تمارس فيه بوضح النهار
الخيانة جهراً وعلانية إن بالنسبة لمواقف الأنظمة العربية
تجاه الاحتلال للقطر العراقي
((لشقيق))،
وإن في شرعنتها
للاغتصاب
الصهيوني
للأرض الفلسطينية العربية.. والأدهى من ذلك وصم تلك الأنظمة
المقاومة للاحتلال الصهيوني بالإرهاب تمشياً مع الوصم
الشاروني والإمبريالي، ولو وقف الأمر عند حد هذا الوصم لهانت
البلية، ومن الثابت أنه جرى ويجري التآمر العربي الرسمي
العلني لخنق تلك المقاومة
التي
عجز شارون عن خنقها
وأوقعته في
مأزق سياسي وأمني واقتصادي فسارعت الأنظمة العربية المعروفة
لتقديم النجدة له لإنقاذه
من المأزق.
في الحرب العالمية الثانية اعتبر أحرار فرنسا وعلى
رأسهم
(الجنرال
ديغول)
أن إبرام
(المارشال
بيتان)
معاهدة مع الغزاة النازيين خيانة قومية، وانتفض هؤلاء
الأحرار بمقاومة شعبية بطولية ضد الاحتلال النازي، ولا تزال
فرنسا رسمياً وشعبياً تمجد سنوياً هذه المقاومة بينما
الأنظمة العربية المعاصرة توصم المقاومة الفلسطينية للاحتلال
الصهيوني بالإرهاب، وأدهى الدواهي أن تفعل الشيء ذاته السلطة
الفلسطينية. فرنسا اعتبرت
(بيتان)
خائناً مع أنه لم يتنازل عن شبر واحد من أرض فرنسا للنازيين
الغزاة، بينما الأنظمة العربية تنازلت وتتنازل عن الأرض
العربية وعن الكرامة القومية وعن دماء الشهداء والجرحى وحتى
عن المقدسات والهوية وشتان شتان بين خيانة
(بيتان)
وخيانات تلك الأنظمة.
مع غياب عبد الناصر أطل عصر الردة على يد خليفته أنور
السادات بصفقة كامب ديفيد التفردية التي شرعن بها الاغتصاب
الصهيوني للأرض الفلسطينية العربية، والتي مهد بها الطريق
لردات عربية رسمية متتابعة.. وفي مؤتمر مدريد تمت هذه
الشرعنة العربية الرسمية علناً على نطاق جماعي، وأعقب هذا
المؤتمر تفرد القيادة الفلسطينية بصفقة أوسلو التي أزالت
الحرج أمام الأنظمة العربية لركوب القطار الساداتي والتي
أنهت الانتفاضة الفلسطينية الكبرى الأولى التي عجزت إسرائيل
عن إخمادها, ومن عيوب هذه الصفقة على كثرتها عدا عن شرعنتها
لاغتصاب الصهاينة لثمان وسبعين بالمائة من الأرض الفلسطينية،
فأنها تركت الأمور الجوهرية لمفاوضات الحل النهائي لاحقاً.
ومن هذه الأمور مصير اللاجئين والقدس والمستعمرات والحدود
والسيادة والأسرى. وهذا يعني في ظل إنعدام التوازن في القوى
ان التوصل بشأن هذه الأمور لن يكون إلا وفق المفهوم
الإسرائيلي. ألم يقل اسحق شامير عقب انتهاء مؤتمر قمة مدريد
أن إسرائيل ستماطل وتماطل في تنفيذ معادلة مدريد ((الأرض مقابل السلام))
وأنها ستتبنى وقائع مادية على الأرض في عملية التوسع
الاستيطاني وفي ذلك نسف لتلك المعادلة. ومع ذلك أبرمت
القيادة الفلسطينية بعد تصريح شامير صفقة أوسلو.. وما بين
صفقة أوسلو في سبتمبر
1993 وسبتمبر
2000
إزداد عدد المستعمرات الصهيونية في الضفة والقطاع بنسبة
اثنين وخمسين بالمائة. وفي عام
1993
كان عدد المستوطنين
115.000
ووصل هذا العدد عام
2000
إلى مائتي ألف. وفي شرقي القدس ارتفع عدد المستوطنين من
146.000
إلى
173.000
وأصبح
عددهم الإجمالي
380.000
ولم يتوقف التوسع الاستيطاني بعد عام
2000. ومن باب المناورة في
المخادعة السياسية ادعاء شارون انه يعتزم إزالة المستعمرات
غير المرخص بها شرعياً وكأن المرخص بها شرعية. ومن العجب
العجاب ان نرى الأنظمة العربية الساداتية في المخادعة
الشارونية بادرة حسن نية.
(موشيه
ديان)
في
رثائه
لصديقه
(روي
روتنبرغ)
الذي قتل في حرب عام
1956
أقر باغتصاب الأرض العربية الفلسطينية بقوله: لنتوقف عن قذف
الذين قتلوا بالاتهامات، من نحن لنناقش حقدهم.. ها قد انقضت
ثمانية أعوام وهم يجلسون في مخيماتهم في غزة وتحت أعينهم
وأبصارهم نحوّل الأراضي والقرى التي عاش فيها آباؤهم
وأجدادهم
إلى
ممتلكاتنا..
نحن
جيل
من المستوطنين دون الخوذة الفولاذية والمدفع لا نستطيع أن
نزرع شجرة أو نبني بيتاً .
في قمة بيروت شرعنت جامعة الدول العربية بالموافقة الجماعية
على المبادرة السعودية التطبيعية الاغتصاب الصهيوني. وفي قمة
شرم الشيخ عام
1979
اعتبر القادة العرب ان مقاومة الاحتلال الصهيوني أعمال
إرهابية. وتكرر ذلك في مؤتمر شرم الشيخ هذا العام بمباركة
محمود عباس الذي أوصلته واشنطن وتل أبيب إلى منصب رئيس وزارة
منتزعاً السلطة من رئيسه عرفات ليلعب الدور الذي لعبه بصفقة
أوسلو التي كان مهندسها في إطفاء جذوة الانتفاضة الأولى
ليقوم بالمهمة نفسها في إطفاء جذوة الانتفاضة الحالية التي
يصم القائمين بها بـ((الإرهابيين)).
ولتذكير سعادته نقول أن الفقه الحقوقي الدولي الحديث تطور مع
تطور النظريات القومية للدول والمجتمعات، بحيث لم يعد يعطي
آية حكومة حق التنازل، حتى عن جزء من أرض وطنها، وذلك
انطلاقاً من قاعدة أن أرض الوطن وسائر الحقوق القومية عليها،
وبصورة خاصة حقوق السيادة، ليست ملك حكومة معينة، ولا حتى
جيل من أجيال الأمة، حتى يحق لحكومة في جيل معين الانتقاص
منها. إنها ملك الأجيال المتعاقبة إلى الأبد. وإذا كان الأمر
كذلك فإنه من نافل القول ليس لمحمود عباس ولا للقيادة
الفلسطينية ولا للأنظمة العربية التنازل عن شبر واحد من
الأرض العربية. ان فلسطين ليست عقارا شخصياً للسلطة
الفلسطينية، أو للأنظمة العربية، وأن التغني بالواقعية
والعقلانية ذرائع ساقطة، فالواقع الراهن دولياً وعربياً ليس
نهاية التاريخ.
في مؤتمري شرم الشيخ والعقبة هللت أنظمة الردة العربية
لمشروع خارطة الطريق بغياب كل من روسيا والأمم المتحدة
والاتحاد الأوروبي الراعية لهذا المشروع، وبدون حضور لدولتي
سوريا ولبنان، ولأمين جامعة الدول العربية. وتعهدت أنظمة
الردة العربية في المؤتمرين بوقف التحريض على العنف، وعدم
دعم الإرهاب وإدانته، والمقصود ضمنياً تصفية الانتفاضة. دون
أي
تلميح للإرهاب الشاروني
الصهيوني. والأدهى من ذلك تعهد محمود عباس بمحاربة
((الإرهاب))
الذي لا يتماشى مع القيم والتقاليد العربية ولا مع جوهر
الدين الحنيف دون أية إشارة للإرهاب الإسرائيلي
والحصار
التجويعي
ومسلسل الاغتيالات والاعتقالات وهدم المنازل وجرف المزروعات،
وبدل ذلك أبدى مشاعر الحزن لمعاناة اليهود التاريخية، وكأن
الفلسطينيين مسؤولون عنها، وكأنهم لم يعانوا من الاحتلال
الإسرائيلي منذ عقود. والظاهر أن المنصب الجديد لمحمود عباس
أنساه ما ذكره في كتابه
(لقاء
العنصريين)
عن عنصرية الكيان الصهيوني وعنصرية النظام البائد في جنوبي
أفريقيا. كما أنساه ما ذكره في كتابه
(الجانب
الأخر)
عن تشكيكه بالهولوكوست. ومن هذه الرؤية بسحر ساحر يتحول إلى
شخصية جديدة مناقضة لشخصيته الأولى في كتابه
(طريق
أوسلو).
ولم يكن غريباً بهذا التحول أن ينقلب على رفيق دربه ياسر
عرفات بدعم أجنبي معروف وبمباركة شارونية.
ومما زاد في غبطة أنظمة الردة العربية موافقة شارون على
مشروع
((خارطة
الطريق))
رغم تحفظاته الأربعة عشر عليه، ورغم إصراره المعلن على رفضه
عودة أي لاجيء فلسطيني، ورفضه التخلي عن القدس الشرقية..
والمشروع بحد ذاته عبارة عن عموميات تفترض إقامة دولة
فلسطينية إلى جانب دولة يهودية على أن تجري مفاوضات بين
الدولتين دون تدخل خارجي حول الأمور الشائكة التي من بينها:
قضية اللاجئين ومصير القدس، والمستعمرات الإسرائيلية،
والأسرى والسيادة والحدود. وفي ظل انعدام توازن القوى بين
الدولتين فمن المؤكد بالحتمية المطلقة رضوخ السلطة
الفلسطينية للرغبات الشارونية بالتوافق مع أنظمة الردة
العربية ومما يؤكد
هذا التصور
ان
الحكومات
الإسرائيلية العمالية والليكودية على مدى عشر سنوات بعد
أوسلو لم تتقيد بمعادلة مدريد ولا باتفاقية أوسلو
والاتفاقيات اللاحقة، ولا بالقرارات الدولية المتعددة، ولا
بمشاريع
(ميتشل)
و(تينت)
و(بيرنز)
وأن مسلسل المفاوضات قد وصل إلى طريق مسدود للتمسك
الإسرائيلي بثوابت استراتيجية فهل من المعقول ان يتخلى صقور
حكومة شارون الليكودية عن هذه الثوابت؟
خلاصة القول هناك حقيقتان مؤكدتان لا تحتملان نقاشاً ولا
دحضاً: الحقيقة الأولى أن دولة إسرائيل
كيان
عنصري استيطاني
توسعي مغتصب لأرض عربية يشكل قاعدة تخدم المصالح الاستعمارية
الغربية، ومن المحال تخليه عن ثوابته الاستراتيجية ولا عن
تفوقه العسكري. والحقيقة الثانية ان التنازل العربي الرسمي
عن الأرض العربية، وعن الكرامة وعن الحق وعن دماء الشهداء لا
يمكن إلا اعتباره خيانة عظمى، فهل تعي وتدرك هاتين الحقيقتين
أنظمة عرب الردة وعلى رأسها سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني؟
مما لا شك فيه ان أنظمة الردة العربية تدرك هاتين الحقيقتين
بكل تأكيد وترتضي بهما وأولى هذه البوادر استعداد مرتزقة
السلطة الفلسطينية في غزة الانضمام إلى أجهزة الأمن القمعية
الشارونية لخنق الانتفاضة، وإسهام القاهرة بهذا الشأن في
التدخل يصب في هذا الاتجاه المؤدي إلى حرب أهلية فلسطينية-
فلسطينية يطمح إليها شارون وفي ذلك كارثة الكوارث العظمى.
ويبقى العجب العجاب في سكون الشارع العربي العدمي على نهج
الردة وعلى سكونه عن قمع معارضي أنظمته بذريعة أكذوبة
اتهامهم بالإرهاب .
يوسف ايوب حداد
|